عندما يتحول الفضاء الإفتراضي الى قناة عبور لتجارة كونية تتعدى الحدود

محمود ابراهيم النقيب*                                                                         

خلال العقود القليلة الماضية حدثت تحولات وتطورات هائلة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات "TCT" ، كان لها بالغ التأثيرعلى جميع مجالات الحياة عموماً وعلى النشاط الاقتصادي بشكل خاص، حيث ادى هذا التطورالتقني لنشؤ ما يسمى بالاقتصاد الرقمي  "Digital Economy  " أوالاقتصاد المعرفي "Knowledge Economy"، وحازت التجارة الإلكترونية "E-Commerce"والتسويق الإلكتروني "E-Marketing"على مساحات متقدمة ومتصاعدة في اطار الاقتصاد الرقمي لتشكل تحول نوعي لحركة التعاملات والتبادلات الإلكترونية من خلال الفضاء الإفتراضي، ما يمكن القول معه أن هذا الفضاء يؤسس مستقبلاً واعداً للتعامل التجاري والتسويق وتبادل السلع والخدمات على المستوى المحلي والاقليمي والعالمي في إطار علاقات ذات أبعاد اقتصادية ومالية .

ومن هنا يأتي الإهتمام بالدراسات لهذه المنظومة من نظم التجارة والتسويق والوقوف امام القواعد القانونية الدولية المنظمة لها ، بما يؤدي الى تكييف القواعد والنظم الوطنية النافذة ، ونشيرهنا الى ضرورة السعي لتأسيس قواعد واطر قانونية تتلائم مع هذا النمط الجديد من التجارة الإلكترونية وتتفاعل ايجابياً مع القواعد الدولية .

قبل عقد التسعينيات من القرن المنصرم لم يكن مفهوم التجارة الإلكترونية متداولاً، الى أن صنفتها منظمة التجارة العالمية "WTO"  ضمن مفهوم الخدمات فـي التقرير الصادر عن مجلس منظمة التجارة الدولية الخاص بالتجارة في الخدمات بتـاريخ 17/3/1999، والمقدم الى المجلس العام لمنظمة التجارة العالمية على اعتبار ان " تزويد الخدمات بالطرق التقنية يقع ضمن نطاق الاتفاقيـة العامـة للتجارة في الخدمات " جاتس "– GATS  والتي تطبق على كافة الخدمات بغض النظر عن طريقة تقديمها ، لكن هذا النوع من التجارة يؤسس دوره المهم في إطار حركة الاقتصاد العالمي ، واتساع رقعة الاعمال و حركة سوق التجارة الالكترونية ليصل حجمها بين 25و27تريليون دولار سنوياً ، كما تشير التوقعات الى أن العام 2020 سيستوعب حوالي 2 مليار متسوق عبر الأنترنت ، وتعتبر الصين اكبر وأسرع سوق للتجارة الإلكترونية في العالم بمعدل نمو35% سنوياً  وتشكل المبيعات السنوية عبر الانترنت  672 مليار دولار.كما تمثل حصة التجارة الإلكترونية من اجمالي مبيعات التجربة بنسبة 15.9 ٪ .

وتمثل منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا من المناطق الأسرع نمواً في مجال التجارة الإلكترنية بنسبة نمو تبلغ 25٪، مع وجود حوالي 100 مليون مشترى رقمى فى المنطقة العربية، وهذه الأرقام قابلة للزيادة المضطردة في ظل التطورات الهائلة في مجال الوسائط الإلكترونية من أجهزة حاسوب وهواتف نقالة، مستندة إلى تطورات هائلة في إطار شبكة الإنترنت.

ان أهم خصائص التجارة الإلكترونية أنها تستند الى اجراءات سهلة في التعاملات الإلكترونية "Electronic Transactions"المباشرة من خلال شبكة الإنترنت، وعلى هذا الأساس فإن هذه الإجراءات تتجاوز الحدود الزمانية والجغرافية، ويتوقف تطور وإزدهارالتجارة الإلكترونية بمدى توافرعناصر أساسية تمثل بالمصداقية والثقة والآمان وصولاً إلى الولاء الإلكتروني "  Electronic Loyalty" في الخدمات المقدمة، حيث يجب أن تسند هذه العناصر حزمة تشريعية ضامنة لممارسة هذا النوع من التعاملات العصرية المتطورة .

 لقد وفرت التجارة الإلكترونية بدائل سهلة وميسرة للمستهلكين بمختلف مستوياتهم، للحصول على إحتياجاتهم من السلع والمنتجات، دونما حاجة إلى تحمل عناء الإنتقال عبر الحدود بهدف الوصول إلى مصدر السلعة، ودونما تقيد بحدود الزمان والمكان، وأتاحت آفاقاً رحبة للتعاملات التجارية وسهلت عملية عقد الصفقات والتعاقدات التجارية أكثر من أي وقت مضى.حيث تدار التجارة الإلكترونية من خلال نظام الإلكتروني متكامل، يكتسب كل يوم مميزات وخصائص جديدة مع كل تقدم في الوسائط الإلكترونية، ومع كل تطور في شبكة الأمان التي تحكم التجارة الإلكترونية، إلا أنها مع ذلك لا تزال تمثل إحدى الكوابح الموضوعية لنموهذا القطاع وتوسعه بما يتفق مع  التطورات المتسارعة في مجال الإتصالات وتقنية المعلومات العصرية .

إن قدرة الإنسان على التكيف والإبداع، هو كلمة السرفي هذه الانتقالة الهائلة في مجال التجارة،  من الحالة التي كانت تعتمد فيها على أدوات ووسائل تقليدية الى مرحلة يتم فيها إستخدام أحدث الوسائل التقنية عبرسلسلة من المعالجات التي تتم بشكل آلي للبيانات المدونة على دعامة إلكترونية تتسم بطابع لا مادي     .

ان تكنولوجيا المعلومات والإتصالات بما تمتلكانه من عناصر القوة والتفوق نتج عنهما، إحداث تغيرات كبيرة في أنساق العمل وفي المعاملات التي تتم من خلال الوسائط الإلكترونية المختلفة، فضلاً عن تغير مفهوم وأساليب تقديم الخدمات والحصولعليها .

ان التوسع والإنتشار السريع سمة غالبة على التجارة الإلكترونية، فقد أفرزا ما يمكن تسميته بظاهرة التسوق الإلكتروني "Electronic shopping"، الا أنه في ظل تعدد المزايا فإن حداثة التجربة طرحت معها العديد من المخاطروالتحديات المتعلقة بفقدان الثقة وآمان المعلومات، فالتجارة الإلكترونية تتسم بالتطور والنموالسريع وبالإنعكاسات الإيجابية لهذه التجارة على إقتصاديات الدول وزيادة قدراتها التنافسية التي سادت مع النمو في تجارتها الخارجية.

ففي الوقت الحاضر لم تعد المنافسة محصورة على جودة المنتجات والخدمات، بل يتعداها إلى سرعة وسهولة تقديمها وخفض تكاليف وعمليات الإنتاج والتسويق بفضل ما وفرته الوسائل التقنية الحديثة في تقديم أفضل الخدمات وفقاً لمعايير ومتطلبات الجودة العالمية.

ويتوقع الخبراء العاملون في مجال تكنولوجيا المعلومات أن تسهم التجارة الإلكترونية في إستقطاب معظم العمليات التجارية، في ظل ما يتيحه نظام معلومات المعاملات التجارية من إمكانيات تتطور كل يوم، وتستوعب حاجة هذا السوق إلى المزيد من التوسع وتغطية احتياجات المستهلكين ضمن الحد الأدنى من التعقيدات، وفي ظل المستوى المطلوب من الأمن المعلوماتي

تمثل شبكة الإنترنت العالمية "  World Wide Web" ميداناً واسعاً لإدارة مختلف العمليات الإلكترونية، والتجارة والتسويق الإلكترونيين مجالان مهمان في فضاء الشبكة العنكبوتية، إلى حد لا يمكن معه تجاوز أو تجاهل التوسع والإنتشار لهذا النوع من الأنشطة الاقتصادية .

يأتي ذلك في ظل مستوى كبير من الإهتمام الذي توليه المنظمات والدول الصناعية للتجارة الإلكترونية، وسط توجه نحو تأمين وسائل الحماية الفنية والقانونية وإتخاذ التدابير الكفيلة بتسهيل وانسياب حركة التجارة الدولية عبرالحدود.نظراً لإن الأمر يتعلق بالمصالح الاقتصادية للدول التي لم يعد بوسعها تجاهل المزايا التي تتيحها التجارة الإلكترونية، ما يقتضي مواكبة التطورات في مجال الاقتصاد والحرص على  التحول من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد الرقمي من خلال تطبيقات التجارة الإلكترونية عبر شبكة الإنترنت .

هناك حاجة ملحة للعمل ضمن الثنائية الإيجابية المتمثلة في تطوير البنى التقنية وتأهيل الخبرات، إلى جانب  تنمية الوعي بأهمية التجارة الإلكترونية لدى صانع القرار بدرجة أساسية ولدى جميع اطراف العملية التبادلية بشكلعام، لأن طبيعة وديناميكية واجراءات وآليات العمل التجاري الإلكتروني تحتاج الى جهود مضاعفة، بدءاً بتحديد الأولويات ووضع الخطط والاستراتيجيات، لتنمية التجارة الإلكترونية والعمل على ايجاد بيئة تشريعية متكاملة لنمو صناعة الإتصالات وتقنية المعلومات وتحريرقطاعاتها، فنمو مجتمع المعلومات يسهم في دعم الاقتصاد الكلي ويفتح آفاقاً واسعة للقطاع الخاص ويمكنه من النفاذ الى الأسواق العالمية، وزيادة حجم التبادلات التجارية وإحداث آثار إيجابية في فائض الميزان التجاري.

إن التعامل مع مقتضيات العصرالرقمي والإستفادة من نتائجه يتطلب إعداد استراتيجيات للنهوض بهذه المنظومة من نظم التجارة والتسويق والوقوف امام القواعد القانونية الدولية المنظمة له والمتطلبات الأخرى المتعلقة بالبنى التحتية المرتبطة بهذا النمط الجديد من التجارة الإلكترونية، من حيث الموثوقية وسرعة الإنترنت وخدمات البريد والخدمات اللوجستية ووسائل الدفع والحماية، وفي هذا الإتجاه ينبغي إتخاذ العديد من الخطواتلتحسين ظروف هذا القطاع بما تمثله من فرصة كبيرة للتنمية الاقتصادية والتي تتمثل بالآتي :

·         بنية تحتية للتجارة الإلكترونية -يجب أن تلعب منظمات المجتمع المدني والإعلام والقطاع الخاص دوراً محورياً عند إعداد السياسات المتعلقة بالتجارة الإلكترونية وإقتراح التشريعات، وألا يقتصر هذا الدور على تقديم الإلتماسات، وإنما يجب أن يمتد إلى الرقابة وإقتراح الآليات المعالجة أوالتطوير للجوانب المتصلة بهذا النوع من التجارة والشراكة في نشرالوعي لدى المستهلك بالطرق الآمنة للتعامل مع هذا النوع من التجارة، وفي ذات الوقت آليات الترويج للمنتج الوطني وحمايته من المنافسة غيرالمتكافئة أوالعادلة مع المنتجات الاخرى، فضلاً عن تأهيل الأنظمة المتعلقة بأساليب الدفع الإلكتروني الحديثة والإستخدامات الواسعة لهذه الوسائل .

·        أن تسارع وتيرة الإهتمام الأمم المتحدة عبر منظماتها المتخصصة إلى إستكمال المنظومة التشريعية ذات الصلة، وكذالك الحال بالنسبةللمنظمات الإقليمية وعلى وجه الخصوص الجامعة العربية، على إعتبار ان هذا النوع من التجارة يتجاوز الإطار الإقاليمي للدولة، فهي بمثابة تجارة كونية تتعدى الحدود السيادية للدول، وبالتالي سيكون للقانون الدولي دوراساسي في رعاية هذه التجارة، ليس هذا فحسب، بل يجب أن تكون القواعد القانونية التي تنظم هذه التجارة مرنة وقابلة لمواكبة التطورات التقنية التي تقوم عليها التجارة الإلكترونية ويسري ذلك أيضاً على التشريعات الوطنية .

·        زيادة آليات التعاون الدولي والأقليمي بما يكفل حماية المستهلك ويضمن في ذات الوقت تقديم المنتج أو الخدمة التي تتوفر فيهما مواصفات التصنيع الجيد والحد من إستخدام هذه الوسائل الحديثة لتسويق المنتجات الردئية أو لغرس ثقافة استهلاكية تزيد عن حاجة المستهلك .

·        ايجاد القواعد المنظمة المساندة للرقابة المناسبة والتعاون الفني بين الجهات الفاعلة في السوق وشركات الإتصالات ومؤسسات الإقراض والسداد والوكلاء وتعزيز دخول طالبي الخدمات المالية الرقمية في تكنولوجيا الخدمات المالية .

·        زيادة الإستثمار في مجال تحسين آليات حماية المستهلك بالنسبة للمنتجات ونماذج الأعمال التجارية الجديدة وحسابات الإيرادات بإستخدام الهواتف المحمولة وخدمات الائتمان الرقمي وأنظمة دفع وتحويل الأموال فيما بين الأشخاص .

·        العمل على تغيير الصورة الذهنية السلبية لدى كل من التاجر والمستهلك حول صعوبة التعامل وارتفاع تكاليف الدفع الإلكتروني، وتعزيز الثقة بهذه التعاملات.

·        تعزيز الضمانات الكفيلة لحماية حقوق المستهلكين، باعتبارها تمثل أحد أهم التحديات الرئيسية التي رافقت التجارة الإلكترونية، حيث يجب أن تضمن القوانين الحديثةحماية حقوق المستهلكين خلال مراحل التعاملات الإلكترونية.

وفي الأخير لابد من الإشارة الى أن كل المؤشرات تؤكد بإن التجارة الإلكترونية ستصبح النشاط الأبرز في الإقتصاد العالمي،في ظل تحول الفضاء الإفتراضي إلى قناة عبور للتجارة الإلكترونية وواقعاً لتبادل السلع والخدماتووفقاً لذلك فإن هناك مجموعة من المتطلبات الأساسية ولأفكارالإبداعية الإستثنائية لرواد الأعمال للولوج الى النشاط الإقتصادي في مجال التجارة الإلكترونية بشكل احترافي، كما تشير بعض التجارب العملية ومنصات التواصل والتي تتمثل بـ (تصميم المتجر الالكتروني، التسويق، المنتجات والخدمات، الحول المبتكرة والحديثة، والتركيزعلى منتجات معينة أو منتجات جديدة، تقديم منتجات وخدمات وتسويق مبتكر وحديث ومميزا وفريد من نوعه ومختلفا عن المنافسين) قد يكون له فرصة كبيرة للسيطرة على السوق في مجاله في المستقبل.

 

*مستشار وزارة الصناعة والتجارة لشؤون الملكية الفكرية وحماية المستهلك