"إحاطات لأهمية إنشاء هيئة وطنية لرعاية الاختراعات والإبتكارات "

محمودإبراهيم النقيب  *

لما كانت التجارب الرائدة للشعوب والدول في مختلف المجالات وعلى وجه الخصوص التجارب المتعلقة بدعم الإبداع والابتكار، تشكل مصدر إلهام لنا للمضي قدماً ، فلا يفٌوتنا هنا الإشارة الى النمو الاقتصادي في كوريا الجنوبية على سبيل المثال ، ما هو إلا قصة سيادة المؤسسات على الجغرافيا قياساً إلى ندرة الموارد ، وإن سيادة المؤسسات هذه قد اوجدت انتصاراً معرفياً ينٌمو باضطراد وبصورة تثير  الإعجاب . إن استيعابنا  لتجارب الغير هو ما سوف  يسوقنا الى مرحلة التغيير  فيما  نفعل وصواب ما نفعل ، إنطلاقاً من ذلك وتفاعلاً مع المادة الثالثة من قرار وزير الصناعة والتجارة  رقم 43 لسنة 2017 م الخاص بإنشاء هيئة لرعاية ودعم المخترعين والمبتكرين في سبيل رسم الية  تنفذية لهذه المادة ، فلا يفوتنا الإحاطة بأننا ملزمون موضوعياً بالتعامل مع بعدين هما  البعد الأفقي والبعد الرأسي .
إن تطرقنا لسياسة التأهيل والتدريب للمخترعين والمبتكرين سوف يقودنا حتماً الى التطرق والتعامل مع البيئة المولدة للإبداع والإبتكار، وهذا يتطلب ان يكون للكيان المزمع إنشاءه حضوراً وتأثيراً في إعداد المناهج والأنشطة المتصة بالتعليم  العام بما يؤدي الى تحقيق  أسلوب الإثراء التعليمي  واُسلوب الاسراء التعليمي  " عدم تقيدٌ الموهوبين  بمناهج معينة "  يرافقه سياسات  لإكتشاف الموهوبين  في الحصول على فرص حقيقية ٌ وإعطائهم أولوية في عملية الإبتعاث .
من جانب آخر مع تسليمنا على تعر يف المخترع والمبتكر بإنه في الغالب عبارة عن شخص إستوعب تقنية معنية وبنباهته طوع تلك المعلومات التي استوعبها الى أفكار جد يدة  شكلت بمجملها اختراعاً جديداً  ، والسؤال هنا وفقاً للمادة 4 من القرار رقم 43 كيف لنا أن نوفر له البيئة الملائمة لإخراج ما ابتكره الى حيز الوجود ، ليستفيد من ثمار جهده ولينتفع المجتمع من هذه الإبتكارات ، وكيف للكيان الجديد  تقديم الدعم والمساندة للمخترع والمبتكر.
ومن البداهة القول أن الكيان الجديد سوف لن  يستطيع تقديم  خدمات التأهيل والتدريب للمخترع والمبتكر ما لم تتوفر له البنية التحتية  ، فكيف يمكن  التصدي لهذه المعضلة الجوهر ية ، ومن منطلق التأكيد من أن  الكيان الجديد  سوف لن  يستطيع  أداء دوره بكفاءة إلا من خلال الشراكة العلمية والعملية مع مختلف المؤسسات .
ينبغي الإحاطة أنه وبقصد الفهم السليم  للقرار الوزاري رقم 43 لسنة 2017 م ، نؤكد أن هذا القرار قد نهض على ركزتين أساسيتين هما الحاجة والوسيلة  :
إن الحاجة للاختراع تكتسب أهميتها كون الاختراع والإبتكار هامان في تنمية اقتصاديات المجتمع في العالم الحديث  بإجماع الاقتصادين اليوم  ، فان النمو الاقتصادي والتنمية  ما هما إلا ثمرتان للاختراع والابتكار ، اي ان النمو الاقتصادي والاجتماعي عبارة عن نتيجة تلقائية للمعرفة التطبيقية  المنهجية .
وفي السياق ولما كان الاختراع والإبتكار لا يحدثان تلقائياً ، بل انه عمل صناعي يقوم به البشرخلاف الأنشطة الأخر ، كون الاختراع والإبتكار  بحاجة الى حواضن لمراحل التطور والتحفيز .
ان كلما عرضناه آنفاً حمل في جوهره اضاءات وإحاطات  للقدرات الموجودة والمتطلبات حتى نتمكن من إيجاد توصيف هيكلي وظيفي  ونسق  تنظيمي لهذا الكيان المزمع انشاءه .
وحيث أن الكيان مكون من اكاديمين وخبراء فنين  وإدارين ، وحتى يتمكنوا من استخلاص الهيكلة الوظيفية للجهاز والأنساق العلمية  له ، نرى انه من المفيد ان تتاح له  قاعدة بيانات  مهمة تساعد في الوصول الى الغايات .
ولأهمية  ذلك ننصح بالاطلاع على الوثيقة المعدة من قبل المكتب الدولي للويبو "WIPO"  في ورشة عمل الويبو  الوطنية  بالتعاون مع سلطنة عمان  والمكرسة لذات الغرض والتي تضع خارطة طريق للنهوض بهذا المجال بالإضافة الى عدد من التجارب الناجزة في الاطار الأقليمي والدولي .
وفي السياق ينبغي أن نفرق بين التثاقف بهذه التجارب أو النقل الآلي لها ، مع العلم أنه يفصلنا عن تلك التجارب مساحات شاسعة ، ما يقتضي معه أن نستلهم من تلك التجارب وأن نبدأ بدايات أولية وفقاً للإمكانيات  المتوفرة لدينا والعمل على تطو يرها ، بل أن التطور بهذا المجال لا يأتي من خلال النقل الآلي لتجارب الغير ، انما من خلال تأسيس تجربة خاصة بنا تعظم إستخدام المعطيات  المتاحة في  سياق إستلهام تجارب الغير ، بل يجب أن تكون إمتداداً لها وتشكل إحدى المسارات التراكمية التي تجعل مشاركتنا في العولمة الإقتصادية والتجارية مستمرة وذات طبيعة تنافسية كما انها ستكون سبباً في خلق البيئة الحرفية المهنية بمعاييرها التكنولوجية الحديثة ، وإمتلاك القدرة على الإرتباط مع بيئتها والفعل في هذه البيئة بصورة إيجابية (الجامعات ، المعاهد العلمية والمهنية ، مراكز البحث العلمي ، المنشآت الصناعية والمدارس  ...الخ).
ولا يفوتنا هنا أهمية التذكير بمحاور هذه الشراكة وأهمية التأكيد على مخرجات الجامعات وربطها بسوق العمل والإنتاج وخلق البيئة المحفزة والحاضنة للمخترعين والمبدعين بإعتبارهم ثمرة وطنية والتأصيل لربط الإختراع بسوق العمل وتعزيز مبادئ وقواعد الشراكة بين الجهات الرسمية والأهلية .
إن وجود كيان وحاضنة لرعاية المخترعين والمبتكرين سيمكنها من التفاعل الإيجابي والإستفادة من الدعم الفني ومن أنظمة التمويل المتاحة من منظمات دولية " الإتحاد الاوروبي " على سبيل المثال  توظيف هذه التمويلات لإيجاد قدرات تنافسية لتعزيز الإقتصاد القائم على المعارف وخلق فرص عمل جديدة وقيم مضافة بإعتبار أن هذه الهيئة الإعتبارية ستكون متمتعة بالوضوح والشفافية والاعلان والإستمرار  والديمومة .
إن امكانية الإستعانة بتمويلات خارجية قد لا يأتي بأكله إذا لم نقم بتحفيز إسهام المجتمع المحلي بأنشطة الإبتكار التي سيضطلع به الكيان المذكور .
إن أهمية الموضوع وتعلقه بالمستقبل يتعين الحصول على أي عوائد وتمويلات دائمة تحدد أوعيتها بقرار الإنشاء ، لتأسيس بنية تحتية للإبداع والإبتكار .
ان أهمية انشاء الهيئة الخاصة برعاية ودعم  الإختراعات والإبتكارات لتأكيد ان مجتمع يثمن قيم العلم والإبتكار ومساهم في عملية تنميته وتطويره، مع العلم أن نتائج هذه الإنفاقات ستظهر جلياً وبصورة تراكمية على كل الأنشطة المعرفية والتطبيقية والصناعية وهو حلماً لا شك أننا نستحقه .
إن كل تلك المعطيات تشير إلى إصرارنا للولوج نحو ذلك اليوم وبآفاق مستقبلية ولا شك أن كل الوزارات والمؤسسات والمنظمات التي شاركت بفعاليات الإعداد مشروع  قرار إنشاء  للهيئة تشاطرنا نفس الاهتمام والطموح في ذلك .

لماذا الهيئة الوطنية لرعاية الإخترعات والإبتكارات ؟؟
اذا ما قٌدر أن ترى هذه الهيئة النور وفق رؤية استراتيجية بيعيدة المدى ، فسوى يكون لمخرجاتها أثراً فاعلاً في جوانب عديدة يمكن اختصارها فيما يلي :
•    سوف يؤثر وجود هذه الحاضنة في الحد من هروب الأدمغة الى الخارج ، عندما تتمكن من مواجهة التحديات التي يواجهها المخترع والمبتكر والتي تقف في وجهه دون تجسيد مختلف افكاره الإبداعية ، مثل التمويل والتسويق ، وايجاد تشريع يضمن ذلك من بدء التسجيل ثم صناعة النموذج وشهادة الإعتماد .
•    المضي في هذا المشروع سوف يدفع بإنشاء أسواق للإبداع وتكون منافسة أمام المتعاملين .
•    سوف يسهم هذا المشروع بشكل إيجابي في خارطة الإستثمار والصناعة والتنمية الاقتصادية وتنميته ، الى جانب ما يخلقة من فرص عمل وتوظيف تسهم في الحد من البطالة .
•    استغلال القدرات العلمية يعزز من القدرات التكنولوجية ويطورها لتنشأ معارض دولية ومحلية خاصة ، وتؤسس شراكات ، وارتفاع في معدل تسجيل براءات الاختراع .
•    ان أنشاء الهيئة سوف يقلل من الإعتماد على توريد منتجات مستوردة غير مطابقة للمواصفات والمقاييس المحلية ، ومع وجود التشريعات القانونية سوف تسهل عملية الحماية للمنتجات المحلية بشكل كبير .
    بعض معوقات إنشاء هيئة وطنية لرعاية الاختراعات والابتكارات :
•    عدم وجود خارطة صناعية تحدد بدقة الصناعات القائمة والمطلوبة مستقبلاً وطبيعة الصناعات القائمة حالياً بشكل تحليلي وعلمي ومنهجي .
•    عدم أنشاء مراكز بحوث علمية مع الغياب النسبي لإستراتيجيات البحوث العلمية وتطويرها اكاديماً .
•    ضعف الإنفاق والاستثمار  في مجال البحث والتطوير  والتدني الكبير في هذا الجانب انعكس على اجمالي براءات الاختراع ، وحيدت البلاد من مؤشرات التنافسية العالمية .
•    غياب العلاقة بين التنمية الاقتصادية ونتائج البحث العلمي إن وجد وعدم ايجاد بحث علمي يكون جزء من العملية الانتاجية التنافسية .
•    محدودية أو قلة مخصصات تمويل البحث العلمي من قبل الدولة .
•    تغير العقلية الصناعية والثقافة الصناعية ، فهي ليست موجهه نحو إنشاء أو المشاركة ودعم هذه الهيئات ومراكز البحث والتطوير ، فالاستثمار يبحث عن السرعة ويحجم عن البحث والتطوير ويرى فيها قدر كبير من المخاطر .

 

*مستشار وزارة الصناعة لشؤون الملكية  الفكرية  وحماية المستهلك