"نون النسوة في فضاء الإبداع والإبتكار"

"Powering change: Women in innovation and creativity"

* محمود إبراهيم النقيب                                                                           

إن الهدف الرئيس من خلق الإنسان هو عبادة الله وإعمار الأرض وبناء الحضارة ، فلقد أودع الله في هذا الكون ثروات وخيرات طائلة ، وبالعلم والعقل وحدهما تستثمر هذه الثروات ، كما أن الخطاب الحضاري أوكل مهمة ذلك للرجل والمرأة على حد سواء ، لانهما يمثلان الأساس لهذا البناء الذي يجب معه تظافر جميع الطاقات البشرية لكلا الجنسين دون تمييز .

 فعبر مراحل التاريخ المختلفة أكدت المرأة حضوراً لافتاً في مختلف التحولات الاجتماعية التي شهدتها البشرية وفي مختلف المجالات ، بل ومثلت احد الأطراف الأساسية التي  كان لها اسهامات متعددة في قيادة التغيير وتحسين نوعية الحياة ومواجهة التحديات التي تواجه المهمة الانسانية ، انطلاقاً من المسؤولية الملقاة عليها كشريك أساسي في صناعة المجد والحضارة ونشر العلوم والثقافة.

سوف نحاول في هذه التناولة إيجاد نوع من المقاربة بين الأعمال والمساهمات الإبتكارية وعلاقتها بالمرأة كمبتكرة وفاعلة ومنتجة للإبداعفي عصرنا الراهن الذي يجب فيه تجاوز مسئلة الجدل بمحدودية عقل المرأة وقدرتها على الابداع وفقاً للنظرة التي كانت سائدة في ظل الثقافة التقليدية ، والتربية والمحيط الاجتماعي الذي يكرس بأن قدرات المرأة العقلية لا تؤهلها الوصول الى مستوى الإبداع والإبتكار ، مقارنة بالإمكانيات المتوفرة لدى الرجل ، وتبين الدراسات ان الإبداع والإبتكار قوة تسود لدى الجميع إناثاً وذكوراً على حد سواء ، ما يؤكد أن الإبداع صفة " مشتركة بين البشر " وليس حكراً على جنس دون الأخر ، فكل إنسان يمكنه أن يبدع ، اذا استوعب تلك الخصائص التي يجب أن يتحلى بها المبدعون وتوفرت لديه القناعات والإهتمامات لتحفيز الملكات العقلية لديه لإنتاج افكار إبداعية وخلاقه  . 

 لابد من الإشارة الى أن العلاقة بين المرأة والأعمال الإبداعية ، لما لها أهمية كبيرة في عصرنا الراهن ، يأتي هذا فياطار الإهتمام العالمي الذي تحظى به قضايا المرأة كضرورة لضمان الفرص المتكافئة للنساء لتحقيق الازدهار الذي يمثل شرط أساسي للتنمية، وتمكينها لتأخذ دورها كمشارك اساسي في رسم معالم المستقبل والمساهمة في احداث التغييرالمنشود كحق اصيل من حقوقها . ولقد اختارت المنظمة العالمية للملكية الفكرية " wipo" شعار تمكين التغيير: المرأة في الابتكار والإبداع"Powering change: Women in innovation and creativity"  للاحتفال باليوم العالمي للملكية الفكرية ، وأكدت المنظمة أن حملة هذا العام تأتي بهدف لفت الإنتباه الى ما تتمتع به النساء من ذكاء وبراعة وإبداع وحب استطلاع لقيادة التغيير في مجتمعاتنا ، فضلاً عن اسهامهافي رسم تضاريس مستقبلنا المشترك.

يأتي هذا الإهتمام من قبل المنظمة العالمية للملكية الفكرية " wipo" في اطار سعيها الذي بداء  منذ وقت مبكر لتمكين المرأة من المساهمة في حركة الإبداع والإبتكار ، ويتضح ذلك جليا من خلال  تجربتها مع نظام البراءات أن النظام في حد ذاته "لا يكترث بجنس أو بآخر ".وترصد الوايبو التطور في مجال حصة الطلبات المودعة من المخترعات بناء على معاهدة التعاون بشأن براءات الاختراع ارتفعت من 23 في المائة في عام 2007 إلى 30.5 في المائة في عام 2016.

خلال مسيرة حياة المرأة كان لها مشاركة اساسية في المجتمع ، حيث ارتبط عملها بالزراعة وأبدعت في الأعمال المنزلية وصناعة الحلوى والحياكة واعمال الديكور والفنون المتعددة ، ومع تطورالبشرية ، أصبحت المرأة مسؤلة في أكثر من مجال ، وتقلدتمناصب قيادية وأصبح  صوتهن مسموع ، وساهمن في إحداث التغيير المنشود في مجالات متعددة على المستوى الوطني والدولي ،  ومن دلائل فاعلية المرأة كمبدعة ومنتجة للإبداع  أن  48 امرأة منحت جائزة نوبل ، فقد  فازت 16 امرأة بجائزة نوبل للسلام و14 في مجال الأدب و12 في مجال الطب أو علم وظائف الأعضاء و4 في مجال الكيمياء واثنتان في مجال الفيزياء وفازت واحدة في مجال العلوم الاقتصادية ، هذا من قبيل المثال لا الحصر .

اذا كان الاحتفال هذا العام باليوم العالمي للملكية الفكرية يمثل فرصة سانحة لتسليط الأضواء على الدور الذي يمكن لنظام الملكية الفكرية أن يضطلع به في دعم المبتكرات والمبدعات في سعيهن من أجل الوصول بأفكارهن المذهلة إلى الأسواق ، وفي هذا السياق تجدر الاشارة الى ان هناك كثير من القصص والحكايات المدهشة التي تصف قوة إرادة المرأة ، ومن هذه القصص ، مساهمة حقوق الملكية الفكرية في نجاح سيدات من ابرازهن من خلال العلامة التجارية Bis*Bas التي تأسست على أيدي سيدتان يمنيتان من عدن هاجرتا إلى بريطانيا ليلتقيا الطموح والشغف لإبتكار منتج يمني من الدرجة الأولى ، بسباس هو الفلفل الأخضر أو الأحمر المميز وهو "عبارة عن صوص مكون من مجموعة من البهارات والنكهات" والذي ينتج ويسوق حالياً في بريطانيا وإلكترونياً على موقع امزون "amazon"، فضلاً عن انه كان ولا يزال يستهلك على نطاق واسع من مدن اليمن.

وكذلك الدكتورة مناهل ثابت، الحاصلة على درجتي دكتوراة، الأولى في الهندسة الماليةوالثانية في رياضيات الكم.  كما حازت على جائزة عبقري العام ممثلة عن قارة آسيا لعام 2013. كما انها حصلت على جائزة العلوم في الشرق الاوسط. وهي تعد المرأة العربية الوحيدة المتخصصة في مجال الهندسة المالية ، وترأست جمعية عباقرة العالم والمنظمة الدولية للذكاء النادر وفازت لاعديد من الجوائز العالمية .

وحصلت الدكتورة والباحثة اليمنية أمل يحيى حسان طبيبة النساء والولادة على  جائزة ثاني أفضل جراح للعام 2015 م من مؤتمر ومعرض الصحة العربي السنوي الذي انعقد في إمارة دبي بالإمارات العربية المتحدة.من ضمن 150 طبيبا مرشحا في مجال الرعاية الصحية من جميع الدول المشاركة في هذا التجمع الطبي  الدولي الذي يضم نحو 20 مؤتمرا علميا متخصصا في جميع المجالات الطبية والابتكارات والعلوم الطبية كل عام  .

كما فازت الدكتورة بجامعة صنعاء غانية النقيب بجائزة السفير فونديشن لسنة 2016عن أبحاثها المهتمة بعلوم الغذاء والتي ركزت على استخدام المركبات الكيميائية المعزولة من النباتات اليمنية لاستخدامها في الوقاية من الأمراض، ومن ابرز ابحاثها استخدام بذرة الكمون الأسود كعلاج للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية . بالإضافة الى حصولها على براءة اختراع عن المنتج الطبي التي اجرت عليه ابحاثها وينتج ويسوق حالياً في ماليزيا.

كما حصلت لبنى تهتموني من الاردن على شهادة الدكتوراة من جامعة كولورادو عام 2005،  تركز أبحاثها في مجال هجرة الخلايا وانتشار السرطان وأسباب عقم الرجال.  حازت على عدة جوائز منها: جائزة الخريج الدولي المتميز من جامعة ولاية كولورادو الأمريكية. وكذلك جائزة معهد الملك الحسين للتكنولوجيا الحيوية عام 2009، بالاضافة الى جائزة مؤسسة لوريال -اليونسكو للمرأة العربية في مجال العلوم الحياتية 2011.  كما حازت على جائزة منظمة المرأة في مجال دعم العالمات العربيات في مجال العلوم عام 2011، كما اختارتها مجلة International Educator، ضمن أربع نساء أكاديميات مؤثرات على المستوى العلمي الدولي.

في كل يوم تخرج النساء باختراعات تغير قواعد اللعبة ويبدعن في كل ما يؤدي الى أسباب الراحة وتحسين  المعيشة ويزيد الإنسان فهماً في علوم شتى ، من الفيزياء الفضائية إلى النانوتكنولوجيا ومن الطب إلى الذكاء الاصطناعي والروبوتية.كل هذه الدلائل تؤكد قدرة المرأة على الاختراع والإبتكار والإبداع في كل مجالات العلم والتكنولوجيا.

ما يجب عمله من اجل مشاركة المرأة بشكل فاعل في قيادة التغيير يتمثل بإعادة النظر في بعض العادات والتقاليد والموروث الاجتماعي الذي يشكل حالة من الاحباط دون مشاركة المرأة في التنمية والتغيير الى الأفضل . وهو ما يتطلب معه النظر الى الإبداع في إطار القواسم المشتركة بين الرجل والمرأة ، بما يؤدي الى افساح المجال امام المرأة لتبرز إبداعاتها والعمل على تجاوز الرواسب التي تشدنا الى الموروثات السلبية والنظرة القاصرة لقضايا المرأة بشكل عام  .

في مثل هذا اليوم الجميع مدعوون " حكومة ، مؤسسات خاصة وعامة ، تعليمية الخ ... " لدعم وتشجيع المرأة واعطائها الثقة ، وتوفيرالبيئة المادية والنفسية والعلمية والاجتماعية الملائمة لإطلاق ملكات الإبداع والإبتكار لديها ، وتأسيس جمعيات تعنى بالمخترعات والمبتكرات ، وتجدرالإشارة الى الدور الهام الذي تقوم به جمعية كوريا للمخترعات والتي تسخر خبراتها  التي استقتها من العمل مع الشركات الناشئة وصولاً الى تطوير ودعم المخترعات ورواد العمل الأخريات ومساعدتهن على استعمال نظام الملكية الفكرية، ومهمتها هي تسليط الضوء على المخترعات من النساء والعمل والتحرك من أجلهن . هذا بالإضافة الى أن الجمعية تنظم كل عام معرض كوريا الدولي للمخترعات (KIWIE) وهو معرض يحتوي على اختراعات المخترعات على الصعيد العالمي ويستضيفه مكتب كوريا للملكية الفكرية .

إن مشاركة المرأة الإحتفال باليوم العالمي للملكية الفكرية باعتبارها مؤلفة وأديبة ومبتكرة ومنتجة يشعرها بالثقة ، لما يمثله هذا اليوم من دلالات لإثبات حقها في كل منتج تقدمه سواء كان علمياً ، ادبياً ، فنياً أو في أي صنف من صنوف المعرفة . فلا يمكن أن تطور المرأة من قدراتها الإبداعية والإبتكارية دون ضمان وحماية لحقوقها الفكرية ونسبته اليها ، فضلاً عن حل كل الصعوبات والمعوقات التي تواجه المخترعات وأصحاب الأفكار الإبتكارية والمشاريع الريادية .

في هذا اليوم يجب على المرأة وعلى وجه الخصوص من لديهن نشاط ثقافي وإبداعي تطبيقي أو نظري تبني انشطة وفعاليات ونداوات بهدف استنهاض همم المرأة ودعم وتعزيز جهودها للمشاركة بشكل فاعل في الإبتكار وتطويره على نحو افضل وابراز  قدراتهن العلمية والأدبية وبما يؤدي الى تكافؤ الفرص بين الجنسين . كما يمكن إطلاق حملة اعلامية على شبكات التواصل الاجتماعي لنشر ثقافة الإبداع والإبتكار وتشجيع المخترعات والمبتكرات لنقل ومشاركة ابتكارتهن وتجاربهن الإبداعية للمجتمع ، فضلاً عن تطلعاتهن لمستقبل نظام ملكية فكرية يعزز الأفكار الإبتكارية ويدعمها .

*مستشار وزارة الصناعة والتجارة لشؤون الملكية الفكرية . 

المصادر :

-          المنظمة العالمية للملكية الفكرية "wipo"

-          https://ar.wikipedia.org/wiki/

-          http://akhbarek.com/society/

-          http://www.wipo.int/women-and-ip/ar/news/2016/news_0005.html

-          https://www.amazon.com/Bis-Bas-BisBas-Saba-340g/dp/B00O4B75WM

-          https://www.al-tagheer.com/news76640.html